قصة السيد الجزار | قصة صغيرة
→ العودة للمقالات
يُحكى أنه في دولة من دول عالم «الكون والفساد» كانوا يقطنون بها أناس من أشكال وأجناس مختلفة، فكان بعضهم يتفاخر على بعض بالأموال والأحساب والأنساب.
(سؤال اليوم: ما الفرق بين الحسب والنسب والسبط؟)
(تزوج المرأة لحسبها ونسبها وجمالها ودينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك)
طيب، ماذا إذا كان تطبيق ورؤية الدين غير التي أتى بها الرسول المرسل؟ فكيف يدّعي من هو من آله، وأخلاقه لا تمت لهم بأي صلة؟ فالدين الذي سيسود العالم هو دين الأخلاق والعدل. ونرجع للقصة: فكان الذي يدّعي أن نسبه يصل إلى بن عدنان يقول: نحن أحفاده ونحن ونحن... ويجب عليكم كذا وكذا. ولكن للموضوعية ليس كلهم سواء، فمنهم من هو صالح تقي، ومنهم من هو طالح فري.
فأخذ بعض الناس يتنابزون بالألقاب بينهم، فما لبثوا إلا أن مرّ بهم رجل له محل (ملحمة) ويعمل بها جزاراً، فسلّم عليهم (لأن السلام يبتدئ من الماشي على الواقف)، فسلّم ومضى في طريقه، فما لبث أن مرّ منهم إلا ونبزه أحد الواقفين وقال له: «يا مزين، جهز لنا كيلو لحم رضيع». فتوقف الرجل برهة من الزمن ولم يلتفت، وأومأ برأسه وكتم غيظه وحوقل، وفتح دكانه الذي كان على ناصية الشارع وبدأ عمله كالمعتاد...
فكان يوم الثاني عشر من ربيع الأول قد حلّ أوانه — مع أن اسمه «ربيع الأول» ولكن يأتي في وقت غير وقته — فتجهزت جماعة السيد لجمع الإتاوات من أصحاب الدكاكين، كي يقوموا بتمويل «الصرخ الأخضر» الضخم، والذي سيتم من خلاله طبع صور من خلال مطابع صينية مستوردة، ودفع مبالغ ضخمة في تنظيم الفعاليات، لنري العالم مدى حب شعب أطلنطا لنور الهدى، «والكائنات ضياء وفم الزمان تبسم»، واشتقاقاً لأحمد شوقي أو حافظ إبراهيم: «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأخلاق».
فوصل السيد وبعض من نفره إلى دكان الجزار، فقال له: سلام الله علينا. فرد الجزار وقال: وعليكم. فقال نفر من السيد: هل تعرف أنك أنت والفنان سواء؟ أي بمعنى أنكما مزينان، ولكن أقل شيء الفنان شَمّه أزكى وصوته يطرب آذاننا، أما أنتم معشر الجزارين فرائحتكم دم، وتزيدوا ترفعوا السعر في المناسبات. ذلحين قُطّف خبر وأخرج المبلغ الأخضر، لتظهر حبك له عن طريقنا، وطريقتنا هي المثلى.
فتعجب الجزار من بجاحة السيد ونفره وقولهم وافترائهم وبهتانهم، وكان ممسكاً بالسكين الكبير — وهو من فئة السكاكين التي استخدمتها النساء اللواتي دُعين من قبل امرأة العزيز عندما دخل يوسف عليهن — ففكر الجزار وقال: هل آخذ السكين وأضرب أعناقهم بيد من حديد؟ ففكر ثم تدبر ثم فكر (وهذا كله جرى في أقل من فيمتو ثانية، وهو اختراع لأحمد زويل)، فقال: لا، إن عملت هذا الشيء فقد اعتديت عليهم، ونحن لا نعتدي إلا على من اعتدى علينا، والعين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم.
فرفض الجزار إعطاءهم الإتاوات وقال لهم: الحب يأتي بإصلاح وضع الناس بقدر الإمكان، وليس بإظهار الشعارات والصرخات الزائفة. فزادت ضربات دقات قلب السيد فتشنج، فأخرج سلاحه الناري من نوع كلوك ٩مم وهدده وتوعده، فلم يتزحزح الجزار من مكانه... فأطلق النار عليه فخرّ الرجل بساعته، وتم إقفال المحل والتستر على القضية.
وكان للسيد ابن وللجزار ابن، وكانا قد خرجا من أطلنطا إلى فينيقيا للدراسة، فابن الأول حاز على منحة بموجب مركز أبيه في المجتمع، أما الآخر فكان مما جمع له أعمامه. فعندما سافرا ودرسا وعاشا وتعرفا على بعضهما البعض، حبّذا العيش في فينيقيا لما لقوانينها من عدل، ولا توجد بها أي تفرقة، والناس فيها كأسنان المشط.
فجاء يوم تنافس فيه ابن السيد وابن الجزار على وظيفة في دولتهما الجديدة بعد حصولهما على الجنسية، فقال صاحب الشركة بعدما اختبر أداءهما: لقد قمتما بعمل جيد واجتزتما الاختبار، ولكنني اخترت هذا لأنه أطيب وأرق وأكثر تواضعاً، أما أنت فلا. فحزّ في نفسه وقال: ولكني ابن السيد! فقال له: هذا ليس هاهنا؛ هذا في أطلنطا المدينة المفقودة.
خاتمة
إن شاء الله تكونوا قد استمتعتم بقراءة القصة، يرجى كتابة تعليقاتكم: هل تريدون أن تكون بهذا الشكل أم أكون أوضح أكثر؟ هل تحبون الأمثلة الدخيلة في وسط النص أم أتجنبها؟ هل تحبون المشوي أم المقلي؟ دمتم في أمان الله.
هل تحبون أن يكون هناك قسم خاص للدروس والعبر المستفادة من القصة؟
ملحوظة: لم تتم مراجعة النص، وقد يكون النص للقارئ من أول مرة أنه حديد مخيط بالصميل، ولكن حبه حبه.
المقال الأصلي منشور على مدونة مفاتيح الهمداني | المخضرم بقلم محمد طاهر الهمداني.